Public Transportation .. A Moving Sardine Boxes
Arabic Writing Sample:
سيارات النقل العام.. علب سردين متحركة
عدد الركاب قد يتجاوز 3 أمثال عدد الكراسي
مرعى التسول.. والنشل عيانا بيانا
مركز التحرش.. وسوق الباعة الجائلين
كتب/ أحمد جبر
وقف في المحطة بانتظار الأتوبيس الذي سيقله للمكان الذي يريد، فبحكم بحثه عن وظيفة يوميا وبسبب ضيق ذات اليد فلا يجد في استطاعته التحرك بغير مواصلات النقل العام. طالت به المدة وهو مازال واقفا في ترقب وصوله فكالعادة سيتأخر في الوصول – هذا إن جاء أصلا، من بعيد بدا أتوبيس قادم حتى دنا منه.. إنه هو. اندفع يركض مع جمع ممن كانوا وقوف معه بالمحطة محاولين اللحاق بالأتوبيس المكتظ حتى آخره بالركاب. ووسط تدافع الناس المحاولين التعلق بالباب أو الصعود ولو إنشات قليلة استطاع بصعوبة أن يتعلق بالباب ثم يحشر نفسه وسط الركاب ويصعد قليلا وهو لا يكاد يستطيع التقاط أنفاسه من الزحام حوله وبينما مازال يسمع صوت محصل التذاكر بجواره يهتف: "اطلعوا فوق والله الأتوبيس فاضي"، "خش قدام يا كابتن.. الطرقة فاضية جوة"... هذه كانت صورة من آلاف إن لم يكن عشرات الآلاف الصور لمصريين بحالة مادية ضعيفة أو متوسطة يعانون بصورة يومية أو شبه يومية من شدة الزحام.
معاناة يومية
يعاني ركاب هذه الوسائل معاناة يومية ليس لهم بها أي ذنب اللهم إلا لو كان ضيق حالهم وميزانيتهم المحدودة ذنب يستدعي العقاب. يعانون وسط أتوبيسات وميني باصات يتندر الناس عليها أن تجد بها مكان فارغ، بحيث يمكن أن يحكي الشخص لصديقه أنه في يوم في الأيام ركب أتوبيسا ليس به أي ركاب واقفون ووجد كرسيا فارغا، وغالبا فلن يصدقه صديقه أو سيغبطه على حظه السعيد. فسيارات النقل العام في مصر تحولت لعلب سردين متحركة وظيفة السائقين ومحصلين التذاكر حشو الناس فيها فقط كما لو كانوا مجرد بضائع، فالأتوبيس مثلا الذي به 31 كرسي يركب به بمتوسط من 70 ~ 90 راكب، وفي أوقات كثيرة يتجاوز العدد الـ 100 راكب، بل توجد أوقات يتجاوز العدد 120 و130 راكب في آن واحد، وللقارئ أن يتخيل أن الراكب عندما يتعرق فغالبا نقطة العرق تنزل منه وتتحول لمن بجواره من شدة الالتصاق.
يركب الراكب وهو يكاد يتهاوى ويصاب بالاختناق بسبب عدم وجود تهوية لهذا العدد الكبير، لا يهم المسافة التي يقطعها أو التعب الذي يعانيه من الوقوف أو صدمات المطبات وحفر الطريق التي يتحول الركاب الواقفين فيها لماص صدمات لا حول له ولا قوة، بين الفينة والأخرى نسمع أصوات ركاب معترضين على طريقة المحصل في تكديس الأتوبيس ودفعه لمزيد ومزيد من الركاب للركوب إلى ما لا نهاية فهو مطلوب منه قطع عدد تذاكر يومي وما يلي ذلك يأخذ عليه نسبة، وما بين ردود وتعليقات وطريقة معاملة المحصل السيئة في التعامل وسوء أدبه في كثير من الأوقات إلى الصدمات المستمرة يبقى الوضع على ما هو عليه، ومع الوقت سرعان ما تنحسر الأصوات المعترضة ثم تتلاشي ويتحول لسان حال الناس في بؤس وانعدام حيلة: "أدينا مستحملين".
أسباب!
بسؤال سائقي سيارات النقل العام ومحصلي التذاكر فيها عن أسباب الزحام نجد إجابتهم متفاوتة، فمنهم من يقول بأن ذلك يرجع إلى قلة عدد السيارات المتوفرة في حد ذاتها، بينما يصف البعض ذلك أنه نتيجة لإهمال بعض السائقين الغير ملتزمين في عملهم وغير امناء فيتأخرون ويتلكؤون مما يسبب ضغط وتكدس على غيرهم، ، كما نرى من يقول على خلاف ذلك بأنه لا يوجد زحام أصلا، وإنما هو فقط في مناطق محددة وأوقات معينة في اليوم، ويرجع للكثافة السكانية ونقص في عدد الأتوبيسات أو الميني باصات ولكن في معظم الأماكن لا يوجد زحام على الإطلاق.
وعند سؤال الركاب والمواطنين عن أسباب الزحام برأيهم فقد قال كثير منهم أن ذلك يرجع إلى جشع المحصلين والسائقين فيحملون الوسيلة مالا تطيق رغبة في بيع أكبر عدد ممكن من التذاكر في أقل وقت ممكن، وأضاف البعض لذلك أن فعل السائقين هذا نتيجة لأجورهم التي ورغم الإضرابات المتكررة منهم ومن أهميتهم الأساسية في البلد مازالت أجورهم ضئيلة التي لا تكفي للمعيشة، فهو مغلوب على أمره يحاول زيادة عدد الركاب ليأخذ نسبة إضافية تضاف لمرتبه الزهيد، كما ويحاول إنهاء العدد المطلوب بأسرع وقت ليتسنى له مثلا أداء أعمال بمهنة أخرى ليستطيع التكفل بمصاريف المعيشة، ما يدفعه لفعل ذلك مما يأتي في النهاية على رأس المواطن البسيط المطحون.
أعراض جانبية
كما لا ننسى أنه بالإضافة للزحام والاختناق وشدة الحر والتعب من الوقوف وسوء التهوية، يضاف لذلك مشاكل أخرى تحولت إلى ظواهر مصاحبة للزحام يعاني منها الركاب يوميا ومنها الآتي:
التسول:
لا تكاد تركب أتوبيس أو ميني باص في مرة من المرات إلا وتجد شحاذا يصعد عليك الأتوبيس، غالبا ما يكون امرأة أو طفلاً أو طفلة أو طفلين معاً، تجدهم يدخلون عليك ويطلبون منك أن تتصدق عليهم وتساعدهم لوجه الله، غالبا يوزعون على الجالسين وريقة صغيرة ليقرأها عن حالتهم ليدفعوهم إلى البذل ومنهم من يوزع أذكار ثم يعودوا فيجمعوا ما وزعوه مع ما يعطيه لهم الركاب، وبفحص هذه الظاهرة فإنك تجد أمور كثيرة مشتركة، تجد كل النساء المتسولات منتقبات بما يوحي برغبتهن في إخفاء وجوههن عمدا، والوريقات الذي يتم توزيعها لتوصيف الحالة متطابق تقريبا في المضمون.
النساء يوزعن أوراق مفادها أنهن أرامل لهن من الأولاد أربعة أو خمسة بنات وليس لهن معيل، بينما ورق الأطفال يقول بأن أبي مريض بشدة أو كان يعمل في المعمار وسقط عن العمارة وأصيب بشدة ويحتاج لإجراء عملية ولا يوجد من يعيلني وأمي وأخوتي. وبخلاف التشابه الذي يصل لشبه التطابق في محتوى الأوراق بين كل الشحاذين.
نجد الأوراق نفسها ذات سمة مشتركة فكلها بنفس الحجم ونفس طريقة التقطيع وعليها نفس الدرجة الباهتة من الحبر ونفس حجم الخط ونفس طريقة الكتابة، بالإضافة لنفس الاستدلالات بنفس الآيات القرآنية والأحاديث… كل ذلك بالإضافة لأمور أخرى لا يشير إلا لكون المتسولين في سيارات النقل العام هم مجرد عصابة كبيرة منظمة تمتهن التسول بغرض استغلال عطف الناس لجمع المال.
النشل:
بينما أنت في الأتوبيس إذ بشخص ذو ملابس محترمة تتنافر تماما مع ملامح وجهه القاسية التي لم يستطع إخفاءها رغم محاولته خاصة مع الآثار الواضحة لندبات على وجهه نتيجة ضرب بالأسلحة البيضاء، ولا يكاد محصل التذاكر الناظر دائما بإتجاه الباب أن يراه إلا ويشيح بوجهه للجانب الآخر ولا ينبس بنت شفة، إذ به يصعد الأتوبيس ويدخل مع الركاب ويندمج معهم بصورة طبيعية، وقد صعد خلفه أو معه شخص أو شخصان بصفات متشابهة. ها قد اقتربت المحطة ونلمح بجوار الباب صيدا ثمينا.. يتحركوا ويحيطوا بالرجل عند الباب وتبدأ عملية النشل.
أحدهم مهمته أن يشغل الضحية أو يستفزها بأي طريقة كانت لتنتبه لجانب معين، بينما الثان يأتي من الجانب الآخر ويلتصق تماما بالضحية بطريقة تبدو عفوية نتيجة للزحام ومن ثم يعمل على صيده ونشل جيبه بما به من محفظة أو هاتف محمول أو غير ذلك، بينما الثالث إما ينضم للأول في شغل الضحية واستفزازها أو يظل كورقة احتياط ليفض الأمر إذا ما انتبه الضحية وغضب وثار ليحاول إمرار الأمر بصورة ودية. انتهى الأمر وتم النشل بنجاح وها قد لاحت المحطة وينزل الثلاثة بكل هدوء، لم يكد الأتوبيس يتحرك حتى بدا كما لو أن حملا ثقيلا قد إنزاح عن جميع رواده، فهذا راكب يشير للناس بأن الذين نزلوا توا كانوا نشالين، وآخر يوافقه وثالث يعلق على الأمر، يعود محصل التذاكر لجلسته الطبيعية، بينما الضحية ما زال في مرحلة الصدمة يتحسر على ما فقده.
بسؤال الناس عن سبب سكوتهم وعدم تعليقهم على النشل أو محاولة إيقافه، فالكل كان خائفا أن يتدخل لأنهم بلطجية بخلاف كونهم نشالين – وهذا صحيح فأغلب النشالين في المواصلات بلطجية- فيخاف أن يؤذوه، ويقول أحدهم: "اللي يموت مالوش دية"، بينما يشارك المحصل ويقول: "حذرتكم وقلت لكم ابعدوا عن الباب" - وبالفعل فقد كان أشار للناس بالابتعاد عن الباب عند صعود النشالين – ويرد عليه أحد الركاب غاضبا لم لم ينبهم، فيكون رد المحصل: "لو حصل لي حاجة تنفعني؟؟!!"
إن النشل في سيارات النقل العام صار ظاهرة منتشرة تماما وسط الزحام القاتم فيها، المحصلين يعرفونهم ويخافونهم –وبعضهم يتواطئ معهم- ولا يجرؤا على الإشارة لهم أمام الناس خوفا منهم، وأما عن النشالين فتجدهم لهم نطاق محدد فهذا النشال دائما يركب من هذه المحطة وينزل في تلك، والركاب يمضون في رعب منهم، فإلى متى يظل الأمر كذلك ولا يتم التعامل مع هؤلاء النشالين رغم أنهم معروفين ومعروف أماكن نشاطهم؟؟؟
التحرش:
مع الأسف فإن بلدا مثل مصر تحتل المركز الثاني في نسبة التحرش على مستوى العالم بعد أفغانستان، وخلصت دراسة أجرتها الأمم المتحدة إلى حوالي 99.3% من النساء المصريات تعرضن للتحرش، بينما قالت دراسة عن المركز المصري لحقوق المرأة عام 2008 أن قرابة 83% من المصريات تعرضن للتحرش، ونجد أن من أكثر الأماكن التي ينتشر بها التحرش بهن هي سيارات النقل العام.
هناك من لا يتحرى الزحام ويصعد لهذه السيارات بغرضه الحقير وهو التحرش وفقط، خاصة وأن التحرش مع الزحام الشديد من أسهل ما يكون حيث كثيرا ما يحاول المتحرش جعله يبدو عفويا خاصة مع الالتصاق بين أجساد الناس داخل وسيلة المواصلات بما يشير لصدقه، وما يبين انتشارها ما أكدته دراسة 2008 السالف ذكرها من أن حوالي 49.1% من المصريات قد تعرضن للتحرش بوسائل النقل العام. عندما تحصل واقعة تحرش بإحدى مركبات النقل العام وينتبه لها الناس فإنه في كثير من الأوقات مع الأسف نجدهم يشيحون بأبصارهم خوفا من التدخل – بسبب أن أكثرية المتحرشين بلطجية في الأساس- ولكن في أحيان أخرى نجد من يهب زودا عن الفتاة أو السيدة ويضرب المتحرش ويلقنه درسا وقد يسلمه للشرطة بعد ذلك.
الباعة الجائلون:
من الصعب جدا أن تركب وسيلة مواصلات عامة بمصر دون أن تجد في الطريق بائع جائل على الأقل يصعد الوسيلة ويمر عارضا بضاعته وسط الزحام، يعرض سلع بسيطة لا تتجاوز عدة جنيهات في السعر على الأكثر، كم أنها متنوعة فما بين الحلوى إلى التسالي مرورا بالخردوات وحتى إبر الخياطة إلى غير ذلك من السلع الرخيصة التي تباع بمبالغ زهيدة. وأما عن تفاعل الناس معها فمنهم من يشتري ومنهم من يبدي امتعاضا وقد يقول: "بلاش قرف.. مش كفاية الزحمة" ومنهم من لا يلقي بالا، كما يوجد من نفض يديه من الأمر وصار يتحمل ويصبر ويسير بلا أي اعتراض.
وعن أسباب ظاهرة الباعة الجائلين بالمواصلات فنجد أنها مرتبطة بظاهرتين هما: البطالة والزحام في المواصلات، فلولا البطالة لم سار ينتقل في المواصلات ليبيع سلع بسيطة ولولا الزحام في المواصلات لكان باع في مكان آخر للوصول لعدد أكبر من الناس. وطبقا لإحصائية الحكومة فإن نسبة البطالة تتجاوز الـ 13% بينما نجد طبقا لإحصائية الأمم المتحدة أنها تتجاوز الـ 25% مما يوضح انتشار وتوسع هذه الظاهرة بالمجتمع المصري. وعلى كل فتبقى ظاهرة الباعة الجائلين هي أقل الظواهر المصاحبة للزحام ضررا على الركاب.


No comments